الكورسيه لم تعد مجرد قطعة تاريخية تُستعاد من أرشيف القرن الثامن عشر، بل تحوّلت في عروض خريف وشتاء 2026 إلى لغة بصرية معاصرة تعيد تعريف العلاقة بين الجسد والملابس. في باريس وميلانو تحديداً، بدا واضحاً أن هذه القطعة تعود بقوة، لا كرمز للقيود، بل كأداة تعبير، بل وحتى كاستراتيجية ذكية ضمن مشهد فاخر يبحث عن التميّز.
عودة مشروطة باللحظة
بعد مواسم سيطر عليها هدوء ما يُعرف بالـ"quiet luxury"، تأتي عودة الكورسيه كنوع من الرد البصري. فالجمهور اليوم لا يبحث فقط عن الأناقة الصامتة، بل عن لحظة لافتة، صورة تُلتقط وتُشارك وتُحفظ. هنا، يصبح الكورسيه أكثر من تصميم، إنه عنصر جذب فوري، يفرض حضوره وسط زخم بصري متسارع، ويمنح الإطلالة شخصية واضحة لا تُخطئها العين.
بين التاريخ وإعادة الصياغة
ما نراه اليوم ليس استنساخاً حرفياً لماضي ماري أنطوانيت، بل إعادة قراءة ذكية. الخصر المحدد، الأربطة الظاهرة، والبنية الصارمة، كلها عناصر تُعاد صياغتها بخامات أخف وتقنيات أكثر مرونة. والنتيجة؟ كورسيه يحتفظ بجاذبيته التاريخية، لكنه يتخلّى عن قسوته، ويُصبح قابلاً للعيش في يوميات المرأة المعاصرة.
ديور: الكورسيه كرمز للسلطة
في عرض ديور، بدا الكورسيه كأنه بيان اجتماعي. القصّات المحكمة والخصر المحدد لم يكونا مجرد خيار جمالي، بل استحضار لفكرة الملابس كأداة تمثيل اجتماعي. الأقمشة الجاكار المزهّرة، المستوحاة من مفروشات القصور، عززت هذا الإحساس، وكأن الإطلالة تدعوك للدخول إلى مشهد مسرحي حيث الأزياء تروي مكانة من ترتديها.
نينا ريتشي: دراما معاصرة
أما لدى نينا ريتشي، فقد تحوّل الكورسيه إلى بطل العرض بلا منازع. التصاميم جاءت مسرحية، واضحة، وحتى جريئة في حضورها. الكورسيهات الصلبة ترافقت مع تنانير واسعة أو حتى مع كنزات ضخمة وأحذية عملية، في مزيج يعكس رغبة حقيقية في كسر القواعد. الفكرة هنا ليست العودة إلى الماضي، بل اللعب عليه، وإعادة تقديمه بجرأة تناسب إيقاع اليوم.
سيشيلي باهنسن: خفة غير متوقعة
على النقيض، تقدّم سيشيلي باهنسن قراءة أكثر نعومة. الكورسيه يظهر من خلال تفاصيل الربط أو البنية الخفيفة، ويُنسّق مع طبقات من التول والأورغانزا. النتيجة إطلالة تجمع بين الرومانسية والحداثة، حيث يبدو الكورسيه وكأنه يهمس بدلاً من أن يصرخ، ويضيف شكلاً دون أن يقيّد الحركة.
ستيلا مكارتني: تحرّر محسوب
في مقاربة مختلفة، تختار ستيلا مكارتني الابتعاد عن الشكل التقليدي للكورسيه، لكنها تحتفظ بفكرته الأساسية: إبراز الخصر وتشكيل الجسد. الفساتين المزيّنة بالشراشيب أو الدانتيل تمنح إحساساً بالحجم من دون أي بنية قاسية، وكأنها تعيد تعريف الكورسيه كإحساس، لا كقطعة.
تفاصيل تصنع الفارق
ما يلفت في هذه العودة هو التركيز على الحرفية. الكورسيه بطبيعته قطعة معقّدة، تتطلب دقة في التنفيد، وهذا ما يمنحه قيمة إضافية في سوق تنافسية. من الأربطة اليدوية إلى التطريزات الدقيقة، تتحوّل كل تفصيلة إلى دليل على المهارة، وهو ما تبحث عنه دور الأزياء اليوم لتعزيز مكانتها.
من الملابس الداخلية إلى الواجهة
واحدة من أبرز التحوّلات أيضاً هي خروج الكورسيه من كونه قطعة مخفية إلى عنصر أساسي في الإطلالة. نراه فوق القصمان، أو كقطعة مستقلة، أو حتى مدمجاً في فساتين شفافة. هذا التحوّل يعكس تغيّراً أوسع في نظرتنا للأزياء، حيث لم تعد هناك حدود واضحة بين ما هو داخلي وخارجي.
لماذا الآن؟
الجواب يرتبط بما يعيشه قطاع الموضة حالياً. في عالم سريع الاستهلاك، تحتاج العلامات إلى ما يميّزها بصرياً، ويصعب تقليده بسهولة. الكورسيه، ببنيته المعقّدة وحضوره القوي، يقدّم هذا الحل. هو قطعة تحمل تاريخاً، لكن الأهم أنها تخلق لحظة.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.