في مجموعته الجديدة للهوت كوتور، لا يقدم المصمم اللبناني سعيد قبيسي مجرد مجموعة من الفساتين الفاخرة، بل يروي قصة رحلة داخلية وخارجية تعبر الزمن والثقافات. تحت عنوان «Passage Privé»، يستعيد المصمم روح بدايات القرن العشرين، لكن من خلال رؤية معاصرة تؤكد أن الأزياء الراقية ليست فقط احتفاءً بالماضي، بل وسيلة لاكتشاف الذات والتعبير عن التحولات التي يعيشها الإنسان.
الفكرة الأساسية التي تنطلق منها المجموعة هي مفهوم الرحلة. لكن سعيد قبيسي لا ينظر إليها كانتقال من مكان إلى آخر، بل كتجربة تغير نظرة الإنسان إلى نفسه والعالم من حوله. فكل إطلالة تمثل مرحلة جديدة، وكل تفصيل يحمل أثراً من الذكريات والتجارب، في محاولة لتحويل الكوتور إلى قصة متحركة تتطور مع مرور الوقت.
استلهم المصمم أجواء عصر تميز بالحرفية الاستثنائية والتبادل الثقافي والبحث عن الأناقة الهادئة. وهي فترة كانت فيها الأزياء تعكس الرقي والهوية، قبل أن تصبح الموضة مرتبطة فقط بالسرعة والتغيير المستمر. ومن هنا، أعاد قبيسي قراءة تلك المرحلة، ليس عبر استنساخها، بل عبر دمج عناصرها الكلاسيكية مع تفاصيل أكثر حداثة.
وقال سعيد قبيسي عن المجموعة: «أردت من خلال Passage Privé التقاط روح عصر استثنائي، مع استكشاف فكرة أن كل رحلة تغير الطريقة التي نرى بها أنفسنا. فالكوتور يصبح سرداً للحركة والاكتشاف والأناقة الهادئة». هذه الفكرة تظهر بوضوح في التصاميم التي تجمع بين الحنين والابتكار، وبين التراث والرؤية المستقبلية.
تعتمد المجموعة على لوحة ألوان هادئة وغنية في الوقت نفسه، تبدأ من العاجي والأبيض الدافئ، مروراً بالزهري الناعم والأخضر الفاتح، وصولاً إلى البرونزي والأزرق الهادئ. أما المخمل، فيبرز كعنصر أساسي يمنح التصاميم إحساساً بالفخامة والعمق، إلى جانب الساتان المزدوج، والكريب، والدانتيل المعدني الفرنسي، والفرو والريش.
لكن الجديد في رؤية سعيد قبيسي يظهر في طريقة تعامله مع هذه العناصر. فهو لا يستخدم الزخارف كإضافة جمالية فقط، بل يجعلها جزءاً من الحكاية. تظهر تقنيات الـ Passementerie كخطوط تزين التصاميم وتشبه مسارات الرحلة، بينما يعكس المعطف المستوحى من الترانشكوت أناقة عملية مستمدة من أسلوب القرن الماضي. أما الأكمام المستوحاة من الكيمونو، فتمنح الإطلالات حركة وانسيابية تعبر عن فكرة السفر والتبادل الثقافي.
كما تحضر روح فن الآرت ديكو من خلال النقوش الهندسية والخطوط الواضحة، في حين تقدم التطريزات ذات التأثير المتقطع أو "البكسل" رؤية مختلفة للذاكرة، وكأنها صور مجزأة من رحلة طويلة. هنا يخلق المصمم حواراً بين الماضي والحاضر، بين التفاصيل اليدوية التقليدية والتعبير البصري المعاصر.
وتتراوح القصات بين البنية الهندسية الدقيقة والانسيابية الناعمة، حيث تتجاور الفساتين ذات الأحجام المدروسة مع التصاميم المنسدلة التي تتحرك بحرية مع الجسد. أما الفرو والريش، فيظهران كرموز للحرفة الراقية وليس فقط كعناصر للزينة، ليؤكدا اهتمام المصمم بقيمة الصنعة والتفاصيل.
من خلال «Passage Privé»، يقدم سعيد قبيسي رؤية مختلفة للكوتور، حيث لا تصبح القطعة مجرد إطلالة للمناسبات، بل تجربة تحمل معنى وذاكرة وشخصية. إنها مجموعة تؤكد أن الأزياء الراقية قادرة على تجاوز حدود الزمن، وأن أجمل الرحلات ليست دائماً تلك التي تقودنا إلى أماكن جديدة، بل تلك التي تغير الطريقة التي نرى بها أنفسنا.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.