هناك شيء سحري في مكتبة 7L التي أسّسها كارل لاغرفيلد، حيث تمتزج رائحة الورق العتيق مع أناقة شارع كامبون الباريسي. في هذا المكان الذي يُجسّد شغف شانيل بالأدب، انعقدت النسخة السادسة عشرة من سلسلة Rendez-vous littéraires rue Cambon، حيث استضافت الدار الروائية الأميركية اليابانية الأصل كاتي كيتامورا إلى جانب شارلوت كاسيراغي، سفيرة الدار والمتحدّثة باسمها، في جلسة نقاش حيّة أدارها الصحافية كارولاين عيسى.
منذ أن أطلقت شانيل هذه اللقاءات الأدبية مع كاسيراغي، وهي تفتح أمام جمهورها نافذة مغايرة عن صورة الدار التقليدية. فالأدب هنا ليس زينة ثقافية مكمّلة للموضة، بل جزء أصيل من هوية شانيل. وأنا شخصياً أرى في هذه المبادرة لمسة أنيقة تُذكّرنا أن الموضة الحقيقية ليست مجرد أقمشة وخطوط قصّ، بل أيضاً أفكار، كلمات، وحوار عميق مع الزمن.
في هذا اللقاء، حملت كاتي كيتامورا جمهور المكتبة إلى عالم روايتها الجديدة Audition، حيث تطرح سؤالاً جوهرياً عن هوية الفرد وحدودها المتحوّلة. لفتني قولها: "أكثر فعل حميمي ومتفائل أقوم به يومياً هو القراءة، لأنني عندما أقرأ، أنفتح على عقل شخص آخر." هذه الجملة وحدها تختصر فلسفة الأدب ودوره في توسيع آفاقنا الداخلية، وهو ما تحاول كيتامورا أن تقدّمه أيضاً في كتابتها: قصصاً تسمح للقارئ أن يعيش تجربة الآخر، ولو للحظات.
كاتي، المولودة في كاليفورنيا والمقيمة اليوم في بروكلين، ليست مجرّد كاتبة عابرة. فهي صاحبة خمسة أعمال روائية، من بينها Intimacies التي اختارتها نيويورك تايمز كواحدة من أفضل عشر كتب لعام 2021. وقد نالت جوائز مرموقة مثل Prix littéraire Lucien-Barrière، وحصدت زمالات أدبية عالمية، كما تُرجم أدبها إلى أكثر من 22 لغة وهو الآن في طريقه للشاشة الكبيرة. كل ذلك يضعها في مصاف الأسماء التي تُعيد تعريف الرواية المعاصرة.
أما الحوارات التي أضاءت عليها كاسيراغي خلال اللقاء، فقد ذهبت نحو ما يشغل بطلات كيتامورا من أسئلة معاصرة: كيف نواجه هشاشتنا الداخلية؟ كيف نتعامل مع فكرة الهوية في عالم سريع التحوّل؟ أسئلة تُشبه تلك التي تطرحها الموضة أحياناً، حين تعكس قلق جيل بأكمله أو تعطينا لغة جديدة للتعبير عن الذات.
خلال جلوسي لمتابعة هذه الجلسة – ولو عبر الصور والفيديوهات – شعرت أن لقاء شانيل هذا لا يشبه أي ندوة أدبية كلاسيكية. هناك شيء في التفاصيل: مقاعد خشبية غارقة في نور باريس الشتوي، نساء أنيقات يحملن نسخاً من رواية Audition، وصوت شارلوت الهادئ وهي تنسج الحوار بخفّة بين عوالم الموضة والفكر. كأن المكتبة تحوّلت إلى صالون باريسي قديم، حيث الأدب كان دوماً على قدم المساواة مع الأزياء والفن.
ما يميّز مبادرة شانيل هذه هو أنها تفتح الأدب على جمهور ربما جاء إليها من باب الموضة، لتمنحه تجربة فكرية مختلفة، والعكس صحيح. وبالنسبة لي، لا أستطيع إلا أن أُقدّر كيف أن داراً بحجم شانيل ما زالت تؤمن بقوة الكلمة المكتوبة، في زمن تُطغى فيه الصور السريعة واللقطات العابرة.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.