منذ تأسيس الدار، ارتبط اسم جان بول غوتييه بالجرأة وكسر القواعد، حيث لم تكن الأزياء بالنسبة إلى مؤسسها مجرد ملابس، بل وسيلة للتعبير عن الأفكار والتحدي والسخرية من المألوف. واليوم، يبدأ فصل جديد من هذه القصة مع المصمم الهولندي دوران لانتينك، الذي قدم أول مجموعة هوت كوتور له كمدير إبداعي دائم للدار، محاولاً الإجابة عن سؤال أساسي: كيف يمكن الحفاظ على روح غوتييه المتمردة مع دفعها نحو المستقبل؟
لم يحاول لانتينك إعادة إنتاج أرشيف جان بول غوتييه أو تقديم نسخة حديثة من توقيعه الشهير، بل اختار الدخول في حوار مع إرثه. وقد جاءت المجموعة كاختبار للحدود بين الحرفة التقليدية والتكنولوجيا الجديدة، بين جماليات الكوتور التي تعتمد على العمل اليدوي الدقيق، وإمكانات العصر الرقمي، بما فيها الذكاء الاصطناعي. فالهدف لم يكن استبدال الماضي، بل استخدامه كنقطة انطلاق نحو لغة جديدة.
منذ الإطلالة الأولى، بدا أن المصمم يدرك أهمية احترام تاريخ الدار، إذ افتتح العرض بمعطف فستان مصمم بدقة، بدا للوهلة الأولى كلاسيكياً وأنيقاً. لكن سرعان ما تغير المسار، لتكشف المجموعة عن الجانب الأكثر مرحاً وفوضوية في شخصية لانتينك. فقد تحولت الملابس إلى أشكال نحتية تتلاعب بتوقعات المشاهد، وتدفعه إلى التساؤل حول ما يمكن أن تكون عليه القطعة.
وكان مفهوم "خداع العين" أو الـ Trompe-l’œil، الذي لطالما شكل جزءاً من عالم غوتييه، حاضراً بقوة، لكن بترجمة معاصرة. ظهر ذلك في فستان أسود يبدو من الأمام كإطلالة سهرة تقليدية، قبل أن يكشف جانبه عن تركيب أسطواني منحوت يغير شكل الجسم بالكامل، ليصبح التصميم أقرب إلى عمل فني متحرك منه إلى فستان بالمعنى التقليدي.
هذه الرغبة في تحدي شكل الملابس كانت جوهر رؤية لانتينك. فالمصمم لم يتعامل مع القطعة باعتبارها غطاءً للجسد، بل كمساحة قابلة لإعادة الاختراع. لذلك ظهرت تنانير معلقة بأحزمة مستوحاة من الملابس الداخلية، وفساتين مخملية بأشكال بارزة عند الخصر، وسترة جينز أعيد تصميمها بأبعاد كوتور مع سراويل قصيرة ضيقة، في مزج بين العناصر اليومية واللغة الراقية للأزياء الراقية.
لكن خلف هذه الاستفزازات البصرية، ظهرت حرفية عالية تؤكد أن التمرد لا يعني التخلي عن الإتقان. فقد حمل أحد الفساتين الوردية الزاهية تطريزات دقيقة من الريش امتدت إلى عناصر أنبوبية تذوب داخل الكورسيه، بينما زُين فستان آخر بقشور سوداء لامعة مع حافة مرفوعة منحت التصميم طابعاً معمارياً.
كما برز تأثير التكنولوجيا بوضوح في بعض التصاميم، ومنها كورسيه بدا وكأنه تعرض لتحول رقمي أو تشويه بصري يشبه الصور التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. إلا أن لانتينك لم يستخدم التكنولوجيا كاستعراض، بل كوسيلة لطرح أسئلة حول مستقبل الجسد والهوية وشكل الملابس في العصر الرقمي.
في أول ظهور له، أكد دوران لانتينك أنه لم يأتِ ليحافظ على إرث جان بول غوتييه في مكانه، بل ليعيد تحريكه. فهو يجمع بين احترامه للحرفة الفرنسية العريقة وجرأته الخاصة في تجاوز الحدود، تماماً كما فعل غوتييه طوال مسيرته.
وفي ختام العرض، بدا مؤسس الدار نفسه، جان بول غوتييه ، سعيداً بما قدمه خليفته، في لحظة رمزية جمعت بين جيلين من "الأطفال المشاغبين" في عالم الموضة. فالمجموعة لم تكن مجرد بداية مدير إبداعي جديد، بل إعلاناً بأن روح غوتييه ما زالت حية، لكنها مستعدة الآن لاستكشاف أشكال جديدة من التمرد.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.