
في عالم الجمال اليوم، لم يعد السؤال: "ما الذي نضعه على بشرتنا؟" بل "في أي عمر يبدأ هذا كله؟". حين تصبح فتاة في الرابعة عشر مرشحة لإطلاق علامة تجميل خاصة بها، فنحن لا نتحدث فقط عن منتج جديد أو اسم مشهور يدخل السوق، بل عن تحوّل ثقافي كامل يعيد تعريف الطفولة، الهوية، والصورة الذاتية. دخول هاربر بيكهام المحتمل إلى عالم الجمال لا يبدو مجرد خطوة عائلية متوقعة لابنة فيكتوريا وديفيد بيكهام بل مرآة واضحة لصناعة بدأت تتوجّه نحو جيل أصغر من أي وقت مضى، جيل لم يعد يستهلك الجمال فقط… بل يعيش داخله يومياً عبر الشاشات والخوارزميات والمحتوى.
جيل ألفا… حين تتحول العناية بالبشرة إلى هوية مبكرة
قبل سنوات، كانت مستحضرات العناية بالبشرة مرتبطة غالباً بمرحلة العشرينات أو بالحاجة إلى معالجة مشكلة معينة. اليوم، تغيّر المشهد بالكامل. أطفال ومراهقون في عمر 11 و12 و13 عاماً يتحدثون عن الحاجز الجلدي، السيروم، الترطيب العميق والروتين الليلي كما لو أنهم خبراء تجميل محترفون. دخول هاربر بيكهام إلى هذا العالم في سن الـ14 لا يأتي من فراغ، بل من سوق أصبح يرى في جيل ألفا فرصة استثمارية ضخمة طويلة الأمد.
اللافت أن الجمال لم يعد يُسوّق لهذه الفئة بوصفه رفاهية أو ترفاً، بل كجزء من بناء الشخصية والثقة بالنفس وحتى الهوية الرقمية. منصات مثل تيك توك حوّلت روتين العناية بالبشرة إلى محتوى يومي شديد الجاذبية، خصوصاً مع انتشار فيديوهات Get Ready With Me التي جعلت من الحمام، المرآة، والسيروم مساحة عرض عامة. هنا تحديداً، يصبح الجمال لغة اجتماعية أكثر منه حاجة فعلية.
مصطلح Sephora Kids الذي انتشر خلال الأشهر الماضية ليس مجرد ترند طريف على الإنترنت، بل توصيف فعلي لتحول سلوكي واضح. الدخول إلى متاجر الجمال اليوم يكشف مشهداً مختلفاً: مجموعات من المراهقات الصغيرات يختبرن المنتجات، يصورن أنفسهن، ويتعاملن مع مستحضرات العناية بالبشرة بوصفها جزء من أسلوب حياة كامل. السوق فهم هذه الإشارة بسرعة، وبدأ يخاطب هؤلاء المستهلكين بلغتهم البصرية الخاصة: ألوان باستيل، تغليف مرح، منتجات "لطيفة"، وأسماء سهلة الانتشار رقمياً.
في هذا السياق، تبدو هاربر بيكهام خياراً مثالياً لصناعة تبحث عن وجه يمثل الجيل الجديد من الاستهلاك. فهي ليست نجمة بعيدة عن الفئة العمرية المستهدفة، بل تنتمي إليها فعلياً. هذا ما يجعل الفكرة أكثر تأثيراً: للمرة الأولى تقريباً، يصبح مؤسس العلامة نفسه جزءاً عضوياً من الجمهور المستهدف، وليس مجرد شخصية تسوّق له من الخارج.
من كايلي جينر إلى هاربر بيكهام.. كيف أصبح العمر الصغير ميزة تسويقية؟
حين أطلقت كايلي جينر مجموعتها الأولى من مستحضرات الشفاه عام 2015، بدت الفكرة في البداية أقرب إلى "ضجة إنترنت" مرتبطة بالمشاهير. لكن ما حدث لاحقاً غيّر صناعة الجمال بالكامل. كايلي لم تبع منتجاً فقط، بل باعت قربها من جمهورها، قدرتها على التأثير، وشعور المتابعين بأنهم يشترون جزءاً من عالمها الشخصي. فجأة، أصبح العمر الصغير ميزة استراتيجية، وأصبحت "القابلية للمشاركة" أهم أحياناً من خبرة سنوات طويلة في تطوير المنتجات.
اليوم، يبدو أن هاربر تدخل المرحلة التالية من هذه المعادلة، لكن في عمر أصغر بكثير. وهذا ما يجعل النقاش أكثر حساسية. لأن المسألة لم تعد فقط حول "فتاة مشهورة تطلق علامة تجميل"، بل حول صناعة بدأت تخاطب الأطفال والمراهقين كعملاء محتملين منذ سن مبكرة جداً.
طبعاً، لا يمكن فصل هذه الخطوة عن البيئة التي نشأت فيها هاربر. بالنسبة لها، بناء العلامات التجارية ليس مفهوماً نظرياً. هي ابنة امرأة نجحت في تحويل اسمها من نجمة بوب إلى إمبراطورية أزياء وجمال، وعاشت منذ طفولتها وسط عروض الأزياء، حملات التصوير، واجتماعات العلامات التجارية. لذلك، تبدو فكرة دخولها عالم الجمال وكأنها امتداد طبيعي للحياة التي تعرفها.
لكن هذا الامتداد يكشف أيضاً شيئاً مهماً عن صناعة الجمال اليوم: الشهرة وحدها لم تعد تكفي. خلال السنوات الأخيرة، شهدنا عشرات العلامات المرتبطة بالمشاهير، بعضها اختفى بسرعة رغم الضجة الهائلة التي رافقته. الجمهور أصبح أكثر قسوة ووعياً، خصوصاً الأجيال الأصغر التي تملك قدرة عالية على كشف العلامات "المصطنعة" أو غير المقنعة. لذلك، نجاح أي مشروع محتمل لـهاربر بيكهام لن يعتمد فقط على اسم عائلتها، بل على قدرتها على خلق هوية حقيقية تشبه جيلها فعلاً.
المفارقة أن جيل ألفا نفسه، رغم صغر سنه، لا ينجذب بسهولة إلى الحملات التقليدية. هذا الجيل نشأ داخل عالم رقمي سريع ومشبّع بالمحتوى، لذلك هو يبحث عن علامات تمنحه شعوراً بالمشاركة والانتماء، لا مجرد منتج جميل. من هنا نفهم لماذا تركّز العلامات الجديدة على بناء "عالم بصري" كامل أكثر من التركيز على المنتج نفسه. التغليف، الموسيقى، طريقة التصوير، وحتى شكل الخط المستخدم على العبوة… كلها أصبحت جزءاً من التجربة.
K-Beauty وجمال المستقبل… حين يصبح المنتج محتوى قابلاً للمشاركة
التفاصيل الأولى المرتبطة بعلامة HIKU by Harper تشير إلى تأثير واضح من عالم K-Beauty، وهذا ليس مفاجئاً أبداً. الجمال الكوري خلال السنوات الأخيرة لم يعد مجرد فئة تجميلية، بل تحوّل إلى مرجعية بصرية وثقافية عالمية أثّرت على طريقة تصميم المنتجات وتسويقها وحتى استخدامها.
السبب بسيط: K-Beauty يفهم جيداً كيف يخاطب الأجيال الجديدة. المنتجات خفيفة، مرحة، سهلة التصوير، ومرتبطة بفكرة "العناية الذاتية" أكثر من فكرة إخفاء العيوب. هذه الللغة تتناسب تماماً مع جيل يعيش على المنصات الرقمية، حيث يجب أن يبدو كل شيء "لطيفاً"، قابلاً للتصوير، ومناسباً للمشاركة الفورية.
حتى مفهوم الجمال نفسه تغيّر. في السابق، كانت صناعة التجميل ترتكز على "الإصلاح": مكافحة التجاعيد، إخفاء العيوب، مقاومة التقدم في العمر. أما اليوم، فالكثير من العلامات الموجهة إلى الجيل الأصغر تبيع فكرة المزاج، الراحة النفسية، والـaesthetic المنتج لم يعد فقط وسيلة لتحسين الشكل، بل جزء من صناعة صورة رقمية متكاملة.
وهنا تحديداً تكمن النقطة الأكثر تعقيداً. لأن دخول الأطفال والمراهقين المبكر إلى هذا العالم يطرح أسئلة حقيقية حول علاقتهم بأجسادهم وصورتهم الذاتية. حين تبدأ فتاة في عمر 12 أو 13 عاماً باستخدام منتجات anti-aging فقط لأنها تراها يومياً على تيك توك، فنحن أمام تأثير نفسي وثقافي يتجاوز حدود التسويق التقليدي.
الأطباء وخبراء البشرة يحذرّون بالفعل من الإفراط في استخدام المنتجات النشطة لدى المراهقين، خصوصاً أن البشرة الصغيرة غالباً لا تحتاج أكثر من تنظيف بسيط وترطيب أساسي. لكن السوق يتحرك بسرعة أكبر من العلم أحياناً. العلامات التجارية تعرف أن بناء علاقة مبكرة مع المستهلك يعني ضمان ولاء طويل الأمد، لذلك تستثمر بقوة في هذه الفئة العمرية حتى لو بقي الجدل الأخلاقي قائماً.
لهذا السبب، تبدو قصة تيك توك أكبر بكثير من مجرد إطلاق علامة تجميل جديدة. هي لحظة تكشف إلى أي حد تغيّرت صناعة الجمال، وكيف أصبحت الطفولة نفسها مساحة استهلاكية مفتوحة. الجيل الجديد لا ينتظر أن يكبر ليدخل عالم الجمال، هو يولد داخله تقريباً، يتعلم لغته باكراً، ويستهلكه كجزء من حياته اليومية وصورته الرقمية وعلاقته بنفسه.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.