وسائل السوشيال ميديا باتت صلة تواصلنا الأولى مع العالم الخارجي. فيها نجد كل ما يمكن أن يستجيب لاهتماماتنا، من حسابات إخبارية، سياسية، اقتصادية، وأخرى تتعلق بأسلوب الحياة، مثل الجمال والموضة والسفر واللياقة البدنية؟
لا نبالغ إن قلنا إن السوشيال ميديا فرضت نفسها بقوة على حياتنا اليومية، وأصبحنا نبدأ نهارنا معها ومن خلالها.
السوشيال ميديا أوجدت أيضاً طبقة جديدة من سيدات الأعمال. إنهن "المؤثرات" اللواتي بتن اليوم يؤدّين دوراً كبيراً في تحديد المفاهيم الاجتماعية والثقافية، وفي تحديد اتجاهات الموضة والجمال. لقد تخطت شهرة هؤلاء المؤثرات - و بعضهن بدأن من لاشيء تقريباً سوى القليل من مساحيق التجميل وشاشة الهاتف الذكي - شهرة أهم نجوم العالم. ومن هاويات للمكياج و الأناقة، تحوّلنَ إلى سيدات أعمال يحققن أرباحاً بملايين الدولارات سنوياً، من عائدات البوستات التي ينشرنها على السوشيال ميديا، وتحديداً الإنستغرام.
السوشيال ميديا باتت صناعة قائمة بذاتها، وباتت أيضاً عموداً فقرياً في دعم أرباح الشركات المنتجة للمستحضرات. الكثير من الوقائع تؤكد اليوم أن مجموعات كاملة من مستحضرات التجميل، نفدت من الأسواق خلال ساعات فقط من طرحها، والفضل يعود إلى ظهور إحدى المؤثرات في فيديو يصوّرها وهي تطبّق هذه المستحضرات على وجهها!
وبحسب الخبراء في الشأن الاجتماعي، لهذا التطوّر وجهان؛ وجه إيجابي لأنه يعني أن الحدود بين الدول و الفوارق الإثنية و الثقافية واللغوية لم تعد تقف عقبة أمام الناس وبات الجميع قادرين على الوصول إلى كل شيء و في أي مكان و زمان، أما الوجه السلبي فيبدو عالي الخطورة، وينطوي على أمرين:
1- الترويج لثقافة الاستهلاك الذي لا يقف عند حدّ. لقد أغرقت شركات التجميل الأسواق بمنتجات لا حصر لها، نجحت في ابتكار احتياجات جديدة وأقنعت المستهلكين بضرورة اعتمادها لأنها الحل للمشكلات الجمالية المختلفة.
2- الترويج لصيغة جديدة كلياً من مفهوم الجمال. إنّه الجمال المتماثل! لقد أسهمت مؤثرات السوشيال ميديا بتكريس صورة نمطية واحدة ومتشابهة عن الجمال: الشفاه المكتنزة، الحواجب المقوّسة والمحدّدة بدقة، الرموش الكثيفة والمبالغ في طولها وتقوّسها، الوجه المنحوت، الأنف النحيف وذو الرأس المرفوع، و الشعر المتموّج. إذا نظرتِ اليوم في أبرز الحسابات على إنستغرام بالتحديد، فستجدين على الأرجح صعوبة في التمييز بين مَن يُصنّفن على أنهنّ "مؤثرات"، فيما عدا القلة منهن اللواتي حافظن على تميّز ملامحهن و فرادتها.
كيف أصبح الكل متشابهين؟
حتى أوائل القرن العشرين، كانت النساء يتمتعن بخصوصيات جمالية، تنبع من انتمائهنّ العرقي و الثقافي والاجتماعي. على سبيل المثال، كانت السيدات الآسيويات يعتمدنَ كثيراً على كريمات تفتيح البشرة، وكانت السيدات الفرنسيات يركّزن على البشرة النقيّة، وكانت الإنكليزيات أكثر اهتماماً بجمال وصحّة شعرهنّ، بينما كانت السيدة العربية أكثر تركيزاً على مكياج العيون وشكل الحواجب.
لقد كان الجمال نسبياً، ومعاييره كانت تختلف من منطقة جغرافية إلى أخرى.
شيئاً فشيئاً، بدأت معايير الجمال تختلف و تتغيّر. ففي الأربعينيات والخمسينيات، ظهرت العديد من المجلات العالمية التي تُعنى بأسلوب حياة المرأة. هذه المجلات قدمت نجمات السينما إلى الجمهور العريض من حول العالم، ومع انتشار صورهنّ الجميلة بقصات الشعر العصرية و المكياج البارز على الوجه، بدأت النساء يتأثرنَ بهنّ و بدأت ظاهرة تقليدهنّ.
في الثمانينيات والتسعينيات، راجت ثقافة الاقتداء بالمشاهير رواجاً كبيراً لم يسبق له مثيل، حتى في عالمنا العربي. لقد كان للمغنيات اللبنانيات تأثير كبير على تحديد الكثير من الصيحات في المكياج و الشعر، أبرزهنّ إليسا و نانسي عجرم ونجوى كرم وهيفاء وهبي وغيرهن. سعت الكثير من السيدات العربيات إلى تقليد ملابسهن و أجرين أيضاً الجراحات التجميلية لتكبير الشفاه و رفع الخدود و نحت الأنف.
بعد هذه الموجة، اكتسحت مؤثرات السوشيال ميديا عالم الجمال و قلبنَه رأساً على عقب. لم تعد المغنيات ولا الممثلات هنّ صاحبات التأثير الأكبر على الجمهور من النساء، لقد انتزعت شهيرات السوشيال ميديا منهن هذا اللقب. دخلنَ إلى كل بيت و استهدفن كل الفئات العمرية و فرضن أنفسهن على أبرز شركات صناعة الجمال.
تأثير الأخوات كارداشيان - جينر
لا يمكن النظر إلى الدور الذي تؤدّيه الأخوات كارداشيان - جينر على أنّه دور بريء. ثمّة الكثير من علامات الاستفهام التي تُطرح حول أهدافهن وما الذي يحاولن الترويج له.
لقد انطلقت شهرة الأخوات كارداشيان بفضل فيديو "إباحي" قيل إن
كيم صوّرته لنفسها بينما كانت تقيم علاقة حميمة مع صديقها. هذا الفيديو الذي ادّعت أنها ندمت عليه كثيراً، كان الشرارة الأولى لانطلاق شهرتها، ومعها أخواتها ووالدتهنّ كريس.
ومع بدء برنامج تلفزيون الواقع Keeping Up With The Kardashian، كانت الأسرة ذات الأصول الأرمنية، تمضي قُدماً في تقديم نماذج مشكوك فيها للمشاهدين، ولا سيما للجيل الشاب منهم. على سبيل المثال، أسهمت
كورتني، من خلال إنجابها 3 أولاد من دون زواج، في جعل هذه الظاهرة أمراً عادياً ومقبولاً اجتماعياً وثقافياً، ومثلها فعلت أخواتها. كيم أنجبت ابنتها الأولى قبل أن تتزوّج بكانييه ويست،
كايلي أحدثت فضيحة كبرى بحملها من دون زواج وهي لا تتعدّى العشرين من العمر،
كلوي تعرّضت للخيانة من صديقها في الوقت الذي كانت فيه حاملاً بأول طفل منه.
ليس هذا فحسب، روّجت الأخوات كارداشيان - جينر لمفهوم جديد من الإثارة، الإثارة التي تقوم على تكبير الأرداف بشكل مبالغ فيه، فضلاً بالطبع عن تكبير الثدي و نفخ الشفتين و رفع الوجنتين.
الرائدة من بينهن في هذا المجال، كانت كايلي جينر. لقد أدهشت العالم بالتغيير الهائل الذي طرأ على مظهرها منذ أن احتفلت بعيدها الـ18. والغريب أن الجمهور، ولا سيما المراهقين، استقبلوا ما فعلته بحماسة كبيرة، وبسرعة البرق بلغ عدد متابعيها على إنستغرام وحده أكثر من 100 مليون متابع، وتحوّلت الفتاة المراهقة الناعمة، إلى رمز للإثارة!
كايلي وأخواتها عرفنَ جيداً كيف يستغللنَ هذه الشهرة وحوّلنها إلى وسيلة لدرّ المزيد من الأرباح. اليوم تحوّلت كايلي إلى سيدة أعمال مع رأس مال يصل إلى ملايين الدولارات وتفوّقت على أخواتها شهرة و ثروة، بفضل خطها الخاص من مستحضرات التجميل. ومع هذا الخط، أسهمت كايلي بتكريس الصورة النمطية للجمال التي كانت اخواتها قد أطلقنها في البداية.
لماذا يتجاوب الجمهور مع هذه الظواهر؟
بحسب علم النفس، الجمهور ولا سيما فئة المراهقين منه، تحتاج دوماً إلى مثال تحتذي به. ولأن صور الأخوات كارداشيان - جينر و غيرهنّ من مدوّنات وخبيرات الجمال، اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن وسائل الإعلام التقليدية، أصبحت الفتيات المراهقات يشعرنَ بضرورة الاقتداء بهنّ، وإلا فسيصبحن خارج المعادلة. يقول خبراء علم النفس إن المراهق يحتاج للشعور بالانتماء، وبأنّه مقبول اجتماعياً، وبأنه منسجم و مندمج في بيئته. وهذا ما يبرّر سعيه لكي يتمثّل بصور المشاهير الأكثر شعبية وشهرة.