قبل بضع سنوات، لو سألتِ أحدهم عن رأيه بمفهوم الجمال، لكانت رؤيته واضحة ولأجاب على الفور بأن القوام الممشوق النحيف وملامح الوجه الناعمة والبشرة الفاتحة هي ما تشكّل معايير الجمال.
أما اليوم، فتبدو الأمور مبهمة نوعاً ما. فمع الشعبية الكبيرة التي تتمتع بها الأخوات كارداشيان - جينر ومعهن الكثير من النجمات المثيرات للجدل، باتت الأرداف الضخمة والمؤخرات المتكورة والشفاه المكتنزة و الحواجب العريضة المحددة، هي ما يرمز إلى الجمال.
مقابل قوام العارضات الشديدات النحالة إلى درجة الهزال، ظهرت خلال السنوات القليلة الماضية الأجسام الممتلئة وذات تفاصيل الجسم المستديرة لتفرض حضورها في صناعة الجمال، فغابت الملامح الناعمة مقابل الأشكال الضخمة، ودخلنا من جديد في عالم من المبالغة.. لم نعد نرى أجساماً متناسقة، بل خصراً رفيعاً جداً ومؤخرة ذات حجم مضاعف.
كيف يحدّد طبّ التجميل التغييرات التي طرأت على مفهوم الجمال؟
في محاولة منا لفهم كيفية تأثير مفهوم الجمال على الكثير من القرارات التي تتخذها النساء في تقرير شكلهن الخارجي، ومظهرهن، ولا سيما اتخاذ قرارات بإجراءات تجميلية خارجية من استخدام لمستحضرات تجميل أو الاستعانة بمكملات مثل الفيلرز والبوتوكس على سبيل المثال، أو أكثر عمقاً واستدامة، مثل إجراء عمليات جراحية لإعادة تشكيل مناطق من الجسم، مثل تكبير الصدر أو الأرداف وغيرها، طرحنا بعض الأسئلة على جرّاحة التجميل د. ملداء الداوودي من عيادة
Eternel Clinic في دبي، أولها كان:
كجرّاحة في مجال التجميل، ما هي برأيك العناصر التي تساعد في تحديد مفهوم الجمال اليوم؟
يعتمد تحديد مفهوم الجمال بشكل أساسي على منظورين، الذاتي و الموضوعي، حيث تتعدّد وتتفاوت الأمور التي تحدّد مفاهيم الجمال في المنظور الذاتي تبعاً لعاملين رئيسيين، أولهما ثقافات و حضارات الشعوب و مقاييس الجمال المتوارثة التي تختلف من مكان إلى آخر، فلكلّ حضارة مميزات و مواصفات جمال مختلفة، و مثال ذلك الرقبة الطويلة التي تُعدّ علامة من علامات الجمال عند المرأة في إحدى الحضارات و في أخرى نجد أن الحواجب المتصلة هي أحد معايير الجمال التي قد لا تكون مرغوبة في أماكن أخرى. أما العامل الآخر فهو مدى تأثرنا بالمشاهير و النجوم و اعتبارهم قدوة و اقتباس أسلوبهم الجمالي سواء بقصة الشعر أو ملامح الوجه و ما إلى ذلك.
أما نحن الأطباء و ممارسي التجميل، فنرى الجمال من المنظور الموضوعي الذي يُعرف بالنسبة الذهبية (Golden Ratio) التي نراها جليّة في كل ما هو جميل في الطبيعة تتطابق أبعاده معها، فعند النظر إلى أيّ فراشة جميلة نجد أن نسبة طول أجنحتها إلى طولها الكامل تحقق النسبة الذهبية كما هي الحال في زهرة عبّاد الشمس. كما أن ارتفاع الشفة العلوية مقارنة بالشفة السفلية يتوافق مع النسبة الذهبية التي تتحقق أيضاً في جميع الأبعاد التشريحية للوجه و هي علامة من علامات الجمال.
إذن، تأثرنا بموروثات حضارتنا لمفهوم الجمال و تأثرنا بالمشاهير عن طريق العولمة و وسائل التواصل الاجتماعي جعلا مفهمومنا للجمال ذاتياً على عكس النسبة الذهبية التي تجعله موضوعياً.
قبل سنوات، كانت الأجسام النحيفة وملامح الوجه الناعمة هي معيار الجمال. كيف تغيّر هذا المفهوم خلال السنوات القليلة، وهل التغيّر يختلف بين بيئة اجتماعية وأخرى وبين مكان جغرافي وآخر؟
نستطيع أن نقول إن الأجسام النحيفة وملامح الوجه الناعمة لا تزال معياراً للجمال و لكن الاختلاف يكمن في قياسات الجسم عموماً، حيث نجد أن الحوض العريض لدى المرأة يُعدّ علامة من علامات الخصوبة في مناطق معيّنة في الحضارات و الثقافات القديمة و لكن العولمة و الانفتاح على الثقافات الأخرى و وسائل التواصل الاجتماعي و الإعلام و المشاهير أدّت إلى زيادة التداخل بين الثقافات و ترويج مفاهيم جديدة و مختلفة للجمال.
علم النفس يلقي بالمسؤولية على الميديا!
ثمّة سؤال لا بدّ من أن يُطرح. لماذا قد يتأثر البعض كثيراً بهذه المفاهيم فيما البعض الآخر لا يعيرها أيّ اهتمام؟
في مقابل النحافة المفرطة للعارضات، هناك شريحة واسعة من النساء يخترن الأرداف الضخمة والصدر الكبير؛ لماذا برأيك نرى مثل هذا التناقض؟
في البداية نحتاج لأن نقرّ بأن معايير ومقاييس الجمال، هي مثل قوانين فيزيولوجية ثابتة، لا تتغير بتغيّر الصيحات أو الأجيال، وهي التي تعتمد بصورة أساسية على التوازن بين ملامح الوجه وتفاصيل القوام؛ فلا تبرز أيّ تفاصيل أو ملامح بنسبة أكبر أو مبالغ فيها عن بقية تفاصيل الجسم أو ملامح الوجه.
وما رأيناه على مدار عقود من إظهار عارضات أزياء مفرطات النحافة كان مردّه إلى صورة قوام معينة أراد مصمّمو الأزياء فرضها على الجمهور وعلى الساحة كصورة الجسم المقبولة والمرغوبة، منبعها ميول شخصية بحتة لدى معظم هؤلاء المصممين والمصورين الذين هيمنوا على مجال صناعة الأزياء لفترات طويلة، وشكلوا الوعي الخاص بهذه الصناعة. هذه الميول ارتبطت بصورة تميل لما هو الآن توجّه عالمي للحيادية الجندرية. لذلك كان من الضروري لأولئك المصممين أن يظهروا عارضات لا تبدو عليهن ملامح أنثوية واضحة، مثلما هي الحال الآن حين نرى صورة لعارض أو عارضة، ولا نستطيع الجزم إن كان هذا رجلاً أو امرأة.
وفي كل الأحوال، تظل قواعد ومقاييس الجمال ثابتة، ومبنيّة على التوازن، وسيظلّ الشخص الذي يحمل ملامح متوازنة، رجلاً كان أو امرأة، دون مبالغة في النحافة أو في الامتلاء، هو الشخص الذي يلفت الأنظار ويلقى اهتماماً وقبولاً سريعاً ومؤكداً، مهما جرى الترويج لأيّ من المبالغات المتناقضة في شكل الجسم والوجه. وذلك راجع لتكوين بيولوجي غريزي بداخل الإنسان، يربط بين هذا التوازن الشكلي وبين الخصوبة والقدرة على إنجاب أطفال أصحّاء، ويُعدّ موروثاً جينياً بداخل الإنسان منذ بداية الخلق.
لماذا يرتبط الوزن دائماً بالجمال؟
بصورة مبسطة، لأن الوزن أحد ملامح الصحّة الجيدة، المرتبطة في الموروث الغريزي البشري بالقدرة على التكاثر بطريقة صحّية وسليمة. وقد أثبتت العديد من الأبحاث والدراسات أن الخصر النحيل، مع الأرداف الممتلئة بصورة متوازنة، من الملامح الأكثر قبولاً وأكثر جاذبية لدى الإنسان، لأنها ترتبط بنفس فكرة الموروث الجيني السابقة الذكر. إذن الوزن عنصر مكمل لجمال الشخص، ودليل على صحّته الجيدة، مع اختلاف الموروث الثقافي من حقبة إلى حقبة، حين كانت النساء السمينات أكثر قبولاً وجمالاً من النحيفات في فترة ما، والعكس صحيح. ولكننا نعود لنفس مبدأ التوازن بين الوزن وملامح الوجه ونسق القوام، الذي هو المبدأ الأصح والأبقى.
لماذا تتأثر الكثير من السيدات بصيحات الجمال مهما كانت، ويتبعنها حتى إن عادت عليهن بآثار سلبية، مثل الإفراط في تكبير الشفاه أو تكبير الصدر؟
ينبع هذا التأثر من نقص في نضج الشخصية، فنجد أن الشابة التي تعاني من نقص في الثقة بالنفس، تسعى لتعزيز تلك الثقة بالمبالغة في إبراز ملامح قوامها، بحيث تستمد منها الشعور بالثقة بالنفس. كذلك الشخصية النرجسية التي تحب أن تكون محط الأنظار، تسعى لفعل أيّ شيء، حتى المبالغة فيه، لكي تلفت الأنظار إليها بأي صورة. وقد يكون ذلك مقبولاً مع صغر السن، حين تكون الشخصية في طور التكوين والنضج، ولكن يدل ذلك على مشكلة نفسية قد تكون عميقة مع التقدّم في السنّ واستمرار تلك الرغبة في الظهور بصورة مبالغ فيها.
من وجهة علم النفس، ما الذي يحدّد مفهوم الجمال في عصرنا الحالي؟ ومَن يؤثر في تحديد ذلك المفهوم أيضاً؟
هناك العديد من المؤثرات: فما بين تأثير الصورة التي تصدرها الميديا وصناعة الأزياء للنساء كصورة مثالية للشكل والقوام، وبين تغيّر الأدوار المجتمعية بين النساء والرجال؛ فنرى الكثير من النساء يقمن بأدوار كانت منوطة بالرجال حصرياً في ما سبق، مثل العمل وكسب لقمة العيش، وبالتالي أصبحت المرأة العاملة هي صاحبة القوة الشرائية، وتحتاج لأن ترى صورة تجذبها، والتي غالباً ما تكون صورة مغايرة لواقعها الذي فرضت عليه الذكورية في دورها اليومي، وتحتاج لأن ترى صوراً أكثر أنثوية، حتى لو كانت مبالغاً فيها. والعكس أيضاً صحيح، فالرجل أيضاً صار يقوم بدور كان محصوراً بالنساء من قبل، مثل العناية بالأسرة والاهتمام بشؤون المنزل، وبالتالي يظهر في مقابل ذلك توجّه لإبداء صورة خشنة للرجل، وما شابه هذا النسق من التوجّهات المقابلة لتوجّه الحيادية الجندرية المنتشر بصورة كبيرة في مختلف المجالات الآن.
وهناك أيضاً تأثير المشاهير، الذين يقدمون صورة مبالغاً فيها للجمال أو الرشاقة، ترتبط في أذهان الشابات اليافعات بسهولة ورغد العيش وسرعة الثراء من وراء تصدير هذه الصورة، وهذا يسبّب خلطاً لمفاهيم الجمال لدى الكثير من النساء الشابات تحديداً، اللاتي يشعرن بأن هذه الصورة ستكسبهن شهرة وتجعلهن من مشاهير المؤثرات، بالإضافة إلى وجود خلل في تكوين الشخصية وصورة الجسم لدى البعض، التي تؤدي بهن إلى الانسياق وراء هذه الصور التي قد لا تناسبهن أو تؤثر سلباً على صحتهن.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.