
في لحظةٍ يتقاطع فيها الفن مع تفاصيل الحياة اليومية، تعود موائدنا لتتحوّل إلى مساحة تعبير جمالي لا تقلّ أهمية عن الأزياء أو العمارة. ففنّ "آرت دو لا تابل" لم يعد مجرّد تنسيق للأطباق، بل لغة بصرية تُترجم أسلوب العيش، وتُجسّد حساسية مرهفة تجاه التفاصيل. من هنا، تأتي مجموعة "ترومب لوي" لتعيد تعريف العلاقة بين الواقع والوهم، حيث لا شيء يُرى كما هو، وكل قطعة تحمل حكاية تتجاوز وظيفتها.
تحتفي Dior Maison بأسلوب "ترومب لوي" Trompe-Lœil، ذاك الفن العائد إلى القرن الثامن عشر، والذي يقوم على الخداع البصري عبر محاكاة الواقع بدقة مدهشة. لكن هذه المرّة، لا يقتصر الأمر على إعادة إحياء تقنية فنية تقليدية، بل يتجاوزها إلى صياغة رؤية معاصرة تُحوّل الخزف إلى مساحة سردية نابضة بالحياة. الأطباق هنا ليست مجرّد أدوات تقديم، بل لوحات تنبض بتفاصيل دقيقة للمكسرات والكرواسان والهليون والبيض، وكأنها لحظة متجمّدة بين الواقع والخيال.
في قلب هذه المجموعة، يحتلّ البيض مكانة رمزية لافتة. فهو ليس مجرد عنصر بصري، بل استعارة شاعرية للبدايات الجديدة والتجدّد. رؤية Jonathan Anderson، المدير الفني لدار Dior، تتجلّى هنا بوضوح، حيث اختار هذا الرمز ليزيّن الدعوة لأول عرض أزياء يقدّمه للدار، في إشارة ذكية إلى بداية فصل جديد. واستلهامًا من إحدى القطع الأرشيفية الثمينة، أعاد أندرسون ابتكار طبق يحمل هذا الرمز، محوّلًا إيّاه إلى قطعة فنية قائمة بذاتها، تختزل الماضي والحاضر في آنٍ واحد.
ولا تتوقّف الحكاية عند هذا الحد. فالمجموعة تتوسّع لتشبه "خزانة عجائب" معاصرة، حيث تتجاور عناصر غير متوقعة في انسجام بصري مدهش. معجنات البريتزل المالحة، الفجل، الفراولة، والموز، كلّها تُجسَّد بخزف متقن يكاد يخدع العين. أما الحلويات، فتأخذ بُعدًا أكثر شاعرية، من فطيرة الميرنغ إلى تارت الفراولة والشوكولاتة، حيث تتلاشى الحدود بين فن الطهو والفن التشكيلي، ليصبح كل طبق تجربة حسّية متكاملة.
هذه القطع لا تكتفي بإبهار العين، بل تستدعي أيضًا إرث “فن العيش” الذي أسّسه المصمم المؤسس للدار. إنها دعوة للاحتفاء باللحظات الصغيرة، وتحويل المائدة إلى مساحة للدهشة والخيال. فكل تفصيل، مهما بدا بسيطًا، يحمل في طيّاته عمقًا فكريًا وجماليًا يعكس علاقة الإنسان بالطعام، بالفن، وبالحياة نفسها.
ومن بين أكثر المفاجآت شاعرية في هذه المجموعة، ذلك الحضور الأدبي الذي يضيف طبقة جديدة من المعنى. أحد الأطباق يعرض نسخة دقيقة من الطبعة الأصلية لرواية Dracula للكاتب Bram Stoker، في تلاقٍ غير متوقّع بين الأدب وفن المائدة. هذا التداخل بين العوالم يعكس شغف أندرسون بالأدب، ويؤكد أن الإبداع لا يعرف حدودًا بين الفنون.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.