هل يمكن للتكنولوجيا أن تحلّ مكان الفحوصات الطبية الدورية في المستقبل القريب؟ وإلى أي حد يمكننا أن نمنح أجسادنا وبياناتنا الصحية للذكاء الاصطناعي كي يقرأها ويعيد تفسيرها بدل الطبيب؟ بين الوعد الكبير الذي تقدّمه الأجهزة القابلة للارتداء وبين الواقع الطبي التقليدي، يتشكّل سؤال أكثر عمقاً: هل نحن أمام تحوّل في مفهوم “المتابعة الصحية”، أم أمام اعتماد متزايد يجعلنا أكثر اتصالاً بالبيانات وأقل اتصالاً بالحدس البشري في الطب؟
في هذا السياق، يأتي إطلاق الجيل الجديد من الخواتم الذكية من شركة Ōura ليعيد طرح هذه الإشكالية من زاوية أكثر تقدماً. الخاتم الجديد ليس مجرد تحديث تقني صغير، بل محاولة لتوسيع فكرة المراقبة الصحية إلى نظام يومي شبه مستمر، يعتمد على تتبّع النوم، النشاط، الإجهاد، والتنفس، وصولاً إلى مؤشرات مرتبطة بالقلب والصحة الأيضية. الفكرة الأساسية هنا هي تحويل الإصبع إلى نقطة قياس دائمة، بدقة أعلى من المعصم، مع تحسينات في الاستشعار تسمح بقراءة أكثر استقراراً للنبض والبيانات الحيوية.
ما يلفت في هذا التوجّه ليس التصميم الأخف والأصغر فحسب، بل المنظومة التي تحيط به. لم يعد الأمر مرتبطاً بخاتم يسجّل البيانات، بل بتطبيق يفسّرها لحظة بلحظة، ويحوّلها إلى إشارات وتنبيهات وتوصيات. من تتبّع التمارين الرياضية بشكل مباشر، إلى رصد التغيرات في ضغط الدم أثناء النوم، وصولاً إلى تحليل أنماط التنفس الليلية، يبدو أن الجهاز يتحول تدريجياً إلى “مستشار صحي شخصي” لا يتوقف عن القراءة والتقييم.
الأبعد من ذلك هو دخول الذكاء الاصطناعي في صلب التجربة، عبر نماذج تحليلية موجهة لفهم الأنماط الصحية وربطها بالسلوك اليومي. هذه المقاربة تغيّر شكل العلاقة بين الإنسان وجسده: لم يعد الجسد يُقرأ عبر زيارة طبية سنوية أو فحوصات دورية، بل عبر تدفق مستمر من البيانات اليومية التي تُبنى عليها استنتاجات قد تؤثر على نمط الحياة، النوم، وحتى القرارات الصحية.
طب يعتمد على الخوارزميات؟
لكن هذه الطفرة التقنية تفتح سؤالاً لا يقل أهمية عن التطور نفسه: هل نقترب من طبّ يعتمد على الخوارزميات أكثر من اعتماده على الفحص السريري المباشر؟ صحيح أن القدرة على اكتشاف التغيرات مبكراً تبدو مغرية، خصوصاً في مجالات مثل ضغط الدم أو اضطرابات النوم، إلا أن تحويل هذه المؤشرات إلى “حقيقة صحية نهائية” يظل إشكالياً، لأن الجسم البشري لا يُختزل دائماً في بيانات رقمية.
هناك أيضاً بعد آخر يتعلق بالخصوصية. كلما أصبحت الأجهزة أكثر دقة في قراءة الجسد، أصبحت أكثر قدرة على رسم صورة تفصيلية عن حياة المستخدم اليومية. ورغم الوعود بالشفافية وحماية البيانات، يبقى السؤال مطروحاً حول حدود السيطرة الفردية على هذا الكم من المعلومات الصحية الحساسة.
في النهاية، لا يبدو أن التكنولوجيا تسعى إلى إلغاء الفحص الطبي التقليدي بقدر ما تحاول إعادة تعريفه. لكنها في الوقت نفسه تدفعنا إلى منطقة جديدة: منطقة يصبح فيها الإنسان مراقَباً صحياً بشكل دائم، ومتصلاً بجسده عبر وسيط رقمي لا يتوقف عن التحليل. وبين الراحة التي تمنحها هذه الأدوات، والقلق الذي قد تخلقه كثافة البيانات، يبقى التوازن هو التحدي الحقيقي في السنوات المقبلة.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.