
صحيح أن مجوهرات شانيل اليوم تُعتبر من التصاميم الراسخة في عالم الرفاهية، إلا أن وراءها قصة تستحق أن تُروى بكل تفاصيلها. قصة بدأت في زمن أزمة، حين فقد الألماس بريقه، قبل أن تعيد له امرأة واحدة تعريفه بالكامل. إنها حكاية رؤية غيرت قواعد لعبة المجوهرات، وجعلت من القطعة الفاخرة تجربة شخصية، لا مجرد استثمار صامت.
ولادة Bijoux de Diamants
في أوائل الثلاثينيات، كان العالم يعيش تداعيات الكساد الكبير، وهي مرحلة انهارت فيها الأسواق وتراجعت قيمة الرفاهيات، بما فيها الألماس. في هذا السياق، لجأت London Diamond Corporation إلى اسم غير متوقع: غابرييل شانيل، المصممة التي كانت قد قلبت موازين الموضة بالفعل.
عام 1932، قدمت شانيل أول مجموعة مجوهرات تحمل توقيع مصممة أزياء، تحت اسم Bijoux de Diamants لم تكن مجرد مجموعة، بل خطوة ثورية. نحو خمسين قطعة شملت القلائد، الخواتم، الأساور، والتيجان، وحتى الساعات، صُمممت جميعها بروح غير مألوفة. استوحت شانيل عالمها من السماء: النجوم، المذنبات، القمر والشمس، وكأنها أرادت أن تكسو المرأة كوكباً كاملاً من الضوء.
الأهم لم يكن الشكل فقط، بل الفلسفة. رفضت شانيل المجوهرات الثقيلة والمقيدة، وقدّمت تصاميم قابلة للتحول، تُرتدى بطرق متعددة. ألغت الأقفال التقليدية، وجعلت القطعة أكثر حرية، أقرب إلى الجسد، وأكثر انسجاماً مع الحياة اليومية. عرضت المجموعة في منزلها الخاص في شارع Faubourg Saint-Honoré، على تماثيل شمعية تحاكي النساء، في خطوة سبقت مفهوم “التجربة” في التسويق بسنوات طويلة.
رغم اعتراض دور المجوهرات التقليدية في ساحة فاندوم، حققت المجموعة صدى هائلاً. أكثر من 30 ألف زائر، وارتفاع سريع في أسهم شركة الألماس. فجأة، عاد البريق. لم يعد الألماس مجرد رمز ثراء، بل أصبح لغة أسلوب.
فلسفة شانيل في المجوهرات
ما ميّز تجربة شانيل لم يكن فقط توقيتها، بل قدرتها على قراءة التحولات النفسية للمجتمع. في زمن القلق، قدّمت الألماس كرمز للثبات والقيمة، "أكبر قيمة في أصغر حجم"، كما وصفتها. لكنها في الوقت نفسه أضفت عليه خفة غير مسبوقة.
تعاونت مع الفنان بول إيريب، ونسجت معاً تصاميم أقرب إلى القصائد البصرية: عقود مفتوحة، خواتم تبدو وكأن الأحجار موضوعة مباشرة على الجلد، وأطواق تُرتدى كتيجان أو كزينة شعر.. كل قطعة كانت تحمل فكرة الحركة، التحول، واللعب.
بعيداً عن المبالغة التي كانت تهيمن على مجوهرات تلك الحقبة، اختارت شانيل البساطة الذكية. لم تُخفي الأحجار خلف تعقيدات تقنية، بل أبرزتها بخطوط دقيقة تشبه الخيوط. هذه المقاربة جعلت المجوهرات أقرب إلى الموضة منها إلى الخزائن المغلقة، وأقرب إلى المرأة منها إلى المناسبات الرسمية فقط.
لم يكن هدفها منافسة صائغي المجوهرات، بل إعادة إحياء فن فرنسي كاد يختفي تحت وطأة الأزمة. حتى تصريحها كان واضحاً: هي لا تبيع المجوهرات، بل تمنحها حياة جديدة. وهذا ما حدث فعلاً. تحولت Bijoux de Diamants إلى مرجع، لا مجرد مجموعة عابرة.
عندما تُعاد كتابة الحكاية
بعد نحو تسعين عاماً، عادت شانيل إلى تلك اللحظة المؤسسة، وقدّمت مجموعة "1932 " كتحية معاصرة لأول مغامرة مجوهرات في تاريخها. لكن هذه العودة لم تكن استعادة نوستالجية، بل إعادة تفسير.
المجموعة الجديدة ركزت على ثلاثة رموز أساسية: المذنب، القمر، والشمس. عناصر كانت حاضرة في تصميمات غابرييل شانيل الأصلية، لكنها اليوم تظهر بحضور أكثر جرأة وتنوعاً. 77 قطعة تُجسد هذا الكون، بعضها قابل للتحول، في استمرار مباشر لفكرة الحرية التي أرستها المؤسسة.
القمر، الذي ظهر بشكل خجول في قطعة واحدة عام 1932، أصبح اليوم محوراً رئيسياً، متحولاً إلى قمر مكتمل يتكرر في تصاميم متعددة. المذنب، رمز الحركة والطاقة، يتوزع على عشرات القطع، بينما تعكس الشمس دفئها عبر أحجار صفراء لافتة، أبرزها في قطعة Soleil 19 Août التي تحمل ماسة صفراء نادرة يمكن فصلها وتحويلها إلى خاتم.
أما القطعة الأيقونية في هذه المجموعة، فهي عقد Allure Céleste ، الذي يجسد براعة الدار في المزج بين التقنية والشعرية. تصميم قابل للتحول بالكامل، يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه بطرق متعددة، ليمنح المرأة حرية تشكيل إطلالتها بنفسها. هنا تحديداً، تبدو روح شانيل حاضرة بوضوح: المجوهرات ليست جامدة، بل كائن حي يتغير مع من ترتديه.
بإشراف باتريس لوغيرو، مدير استوديو تصميم المجوهرات في الدار، حافظت المجموعة على توازن دقيق بين الإرث والحداثة. أُضيفت الأحجار الملوّنة، من الياقوت الأزرق إلى الأوبال، لتوسيع هذا الكون البصري، من دون المساس بجوهر الفكرة الأصلية.
اليوم، تبدو مجوهرات شانيل أكثر من مجرد قطع فاخرة. إنها امتداد لقصة بدأت من لحظة انهيار، وتحولت إلى درس في كيف يمكن للإبداع أن يعيد تعريف القيمة. قصة تؤكد أن الأناقة الحقيقية لا تولد في أوقات الازدهار فقط، بل قد تكون، أحياناً، أجمل ما يخرج من رحم الأزمات.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.