من الرائع أن نرى، وسط الأوضاع العصيبة التي يشهدها عالمنا العربي اليوم، بارقة أمل وسبب للفرح.. حتى وإن كان الأمر يتعلق بشيء بسيط في عيون البعض.. فحرصنا على التمسك بالتفاؤل وبحثنا الدائم عن مستقبل أفضل، يضع في طريقنا دائماً قصصاً ملهمة ومعبّرة. وقصتنا لليوم تتناول عارضة الأزياء نور يحيى. ربما لا تعرفين عنها الكثير، ولكنها حتماً تستحق أن نسلّط الضوء عليها لأنها ستجعلك تتسلّحين بالكثير من الأمل وتتمسّكين بأحلامك مهما بدت مستحيلة...
ذات يوم، كنت كالعادة، كنت أتصفّح تطبيق TikTok بلا هدف محدّد، أتنقّل بين المقاطع بسرعة، إلى أن استوقفتني شابة سمراء ببشرة مخملية وحضور لا يمكن تجاهله. شعرت بفضول مهني حقيقي — ذلك الشعور الذي يدفعك للتوقف، للبحث، ولطرح الأسئلة. من تكون هذه الفتاة؟ ولماذا تبدو مختلفة إلى هذا الحد؟
انتقلت سريعاً إلى صفحتها، وهناك بدأت الصورة تتّضح. بين صور حملات جمالية ومقاطع يومية عفوية، لفتني فيديو من عرض أزياء حديث. كان المشهد مألوفاً: منصة عرض فاخرة، إضاءة ناعمة، وجمهور يترقّب. لكن المفاجأة كانت أن هذه الشابة نفسها كانت تمشي بثقة على منصة أسبوع باريس للموضة، وتحديداً ضمن عرض شانيل. هنا توقّفت للحظة — تلك اللحظة التي تدرك فيها أنك أمام قصة تستحق أن تُروى.
نور يحيى: حضور عربي بملامح عالمية
كانت المفاجأة الأجمل أن نور يحيى، التي قد يظنها البعض بعيدة عن الهوية العربية للوهلة الأولى، هي في الواقع عارضة أزياء سودانية تتحدث العربية بطلاقة، وتحمل في ملامحها وتفاصيلها قصة مختلفة عن الصورة النمطية السائدة. إطلالتها في عرض شانيل في 9 مارس 2026، الذي أُقيم في Grand Palais، لم تكن مجرد مشاركة عابرة، بل لحظة مفصلية في مسيرتها. ظهرت بلوك أبيض يمزج بين التويد الكلاسيكي واللمسات اللؤلؤية، من توقيع المدير الإبداعي Matthieu Blazy، ضمن مجموعة أعادت صياغة أناقة الدار بأسلوب أكثر جرأة وحداثة.
بحثت عنها أكثر، وعرفت أن نور، المقيمة في دبي، ليست اسماً جديداً تماماً في مشهد الجمال الإقليمي، لكنها اليوم تخطو بثبات نحو العالمية. حضورها الرقمي القوي، إلى جانب تعاونها مع علامات تجارية في عالم الموضة والجمال، منحها قاعدة جماهيرية متنامية. إلا أن ما يميزها حقاً هو قدرتها على تحويل هذا الحضور إلى منصة تعبير — منصة تتجاوز الشكل لتلامس مفاهيم أعمق تتعلق بالهوية والانتماء.
مسيرة تتجاوز الجمال إلى الرسالة
بعيداً عن الأضواء، تحمل مسيرة نور يحيى بُعداً إنسانياً واضحاً. نشأت في بيئة تحكمها معايير جمالية ضيقة، حيث لم تكن البشرة الداكنة أو الملامح الطبيعة تحظى بالاحتفاء الكافي. لكن بدلاً من أن تنصاع لهذه القوالب، قررت أن تكون الاستثناء الذي يتحوّل إلى قاعدة. من خلال تمسّكها بلون بشرتها وشعرها الطبيعي وقوامها النحيل، أعادت تعريف الجمال بطريقتها الخاصة، وقدّمت نموذجاً مختلفاً للمرأة العربية والإفريقية على حد سواء.
رحلتها لم تكن فردية بالكامل، بل تشكّلت بدعم دائرة قريبة من الأصدقاء الذين آمنوا بها منذ البداية. من أول جلسة تصوير بسيطة إلى منصات العروض العالمية، ظل هذا الدعم جزءاً من قصتها. ومع توسّع مسيرتها، أضافت إلى رصيدها التمثيل أيضاً، حيث تشارك في أعمال سينمائية، من بينها فيلم سعودي بعنوان "Scholarship"، في خطوة تعكس تنوّع اهتماماتها الفنية.
في سياق أوسع، تأتي قصة نور ضمن موجة صعود لعارضات من أصول سودانية في صناعة الموضة العالمية، إلى جانب أسماء مثل Alek We وAnok Yai، اللواتي ساهمن في تغيير معايير الجمال على منصات العروض. ومع ذلك، تبقى تجربة نور مختلفة في كونها تتقاطع مع واقع عربي يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تعريف مفهوم الجمال — ليس كقالب ثابت، بل كمساحة حرّة للتعبير.
أخيراً، لا يمكننا إلا أن نتمنى رؤية نور في المزيد من عروض الأزياء، فنجاح كل سيدة عربية، هو نجاح لكل النساء العربيات، كما إنه دليل على أن الطموح لا يجب أن تعيقه الحدود ولا الحواجز العرقية أو الثقافية.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.