في قصر باكنغهام، يفتح معرض كينغز غاليري أبوابه أمام واحد من أكثر المعارض استثنائية هذا العام، مكرّساً بالكامل لخزانة أزياء الملكة إليزابيث الثانية. تحت عنوان “Queen Elizabeth II: Her Life in Style”، لا يكتفي المعرض بسرد تاريخ شخصي، بل يقدّم قراءة عميقة لكيفية تحوّل الموضة إلى أداة قوة ناعمة عبر عقود من الحكم.
يمتد المعرض من 10 أبريل حتى 18 أكتوبر، ويضم أكثر من 200 قطعة، تتراوح بين فساتين رسمية، قبعات، إكسسوارات، وصولاً إلى رسومات أولية وعينات أقمشة، كثير منها يُعرض للمرة الأولي. هذه المجموعة، التي تأتي احتفالاً بمئوية ميلاد الملكة، تكشف عن أرشيف غني يعكس ليس فقط تطوّر ذوقها، بل أيضاً تحوّلات الموضة في القرن العشرين.
من البدايات إلى التتويج
تبدأ الرحلة من الطفولة، مع قطع نادرة مثل فستان التعميد وأزياء تنكرية صغيرة، قبل أن ننتقل إلى مرحلة الأميرة الشابة، حيث اختارت تصاميم مخملية بألوان عميقة تناسب أجواء الأربعينيات. لكن اللحظة المفصلية تبقى فستان الزفاف عام 1947، من تصميم نورمان هارتنيل، المستوحى من لوحة لوحة Primavera للفنان ساندرو بوتيتشيلي. لم يكن الفستان مجرد قطعة أزياء، بل رمز للأمل بعد الحرب، بتطريزاته النباتية التي جسّدت فكرة "الربيع الجديد".
أما فستان التتويج عام 1953، فكان بمثابة بيان سياسي بصري، حيث حمل تطريزات تمثّل دول الكومنولث، من الوردة الإنجليزية إلى زهرة اللوتس الهندية. هنا، تتضح واحدة من أهم سمات أسلوب الملكة: استخدام الملابس كلغة تواصل.
الموضة كدبلوماسية
في قلب المعرض، تتجلّى فكرة "الدبلوماسية عبر الأزياء". الملكة لم تكن تختار ملابسها عشوائياً، بل كانت توظّف الألوان والتفاصيل لإرسال رسائل دقيقة. خلال زيارتها إلى كندا عام 1959، ارتدت فستاناً مطرّزاً بزهور ترمز إلى مقاطعاتها، بينما في اليابان عام 1976، استوحت إطلالتها من الكيمونو وزهور الساكورا. وحتى في زيارتها إلى أيرلندا عام 2011، ظهرت بتفاصيل مستوحاة من رموز البلاد.
هذه القدرة على "قول الكثير دون كلام" تحوّلت إلى علامة فارقة في أسلوبها، وجعلت من كل ظهور لها لحظة محسوبة بدقة، تُخاطب الجمهور قبل أي خطاب رسمي.
أسلوب يُرى من بعيد
احد أكثر التفاصيل إثارة للاهتمام هي اعتماد الملكة على الألوان القوية مثل الأصفر الفاقع والفوشيا والأخضر الليموني. هذا الخيار لم يكن جمالياً فقط، بل عملياً أيضاً، إذ سمح لها بالظهور بوضوح وسط الحشود. إلى جانب ذلك، يسلّط المعرض الضوء على إطلالاتها اليومية في الريف، حيث مزجت بين الأزياء الراقية وقطع من علامات مثل بربري، مع وشاحات حريرية من هيرميس ومظلاتها الشفافة الشهيرة.
إرث مستمر
يختتم المعرض بتحية لتأثير الملكة على جيل جديد من المصممين، مثل ريتشارد كوين وكريستوفر كين وإردم موراليوغلو، الذين استلهموا من أسلوبها عناصر أعادوا صياغتها في تصاميم معاصرة.
في النهاية، لا يقدّم هذا المعرض مجرد استعراض لأزياء ملكية، بل يفتح نقاشاً أوسع حول قوة الموضة كأداة تأثير. خزانة إليزابيث الثانية لم تكن فقط مرآة لذوق شخصي، بل كانت منصة تعبير، ورسالة مستمرة عن الهوية، والانتماء، والقدرة على التواصل عبر التفاصيل.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.