لا نستطيع إخفاء إعجابنا بالتغيير النوعي الذي أضافته ماريا غراتسيا كيوري إلى تصاميم فندي منذ انضمامها إلى الدار الإيطالية في أكتوبر 2025. هذا الإعجاب ازداد أكثر مع إطلاق العلامة الحملة الإعلانية الجديدة لمجموعة كروز 2027، وهي حملة لا تشبه الإعلانات التقليدية بقدر ما تبدو أقرب إلى فيلم فني طويل، يختلط فيه الخيال بالذاكرة، والموضة بالهندسة، والمرأة بالحلم. فمن الواضح أنماريا غراتسيا لا تريد تقديم مجموعة موسمية عابرة، بل مشروعاً فكرياً متكاملاً يعيد تعريف معنى خزانة فندي المعاصرة.
عودة إلى الهوية الإيطالية
في هذه المجموعة، تعود كيوري إلى هويتها الإيطالية بوضوح لافت، ليس من خلال النوستالجيا السطحية، بل عبر الاهتمام بالبناء، والخامات، والقدرة على تحويل القطع الكلاسيكية إلى اقتراحات جديدة لللحياة اليومية. هي لا تصمم ملابس فقط، بل تحاول صياغة علاقة مختلفة بين الجسد والقطعة، علاقة تقوم على الراحة والقوة والمرونة في الوقت نفسه. لذلك نرى الرجل والمرأة يسيران جنباً إلى جنب داخل المجموعة، يتبادلان القطع نفسها أحياناً، وكأن كيوري تريد إزالة الحواجز التقليدية بين خزانتيهما.
الللافت أيضاً أن مفهوم "البورجوازية" الذي تستحضره ماريا غرتسيا لا يأتي بمعناه النخبوي القديم، بل كفكرة حديثة وواسعة تحتضن اختلاف الأجساد والأعمار والرغبات. البورجوازية هنا ليست طبقة اجتماعية، بل أسلوب حياة قائم على الوعي والذوق والبحث عن جودة تدوم. وهذا ما يظهر بوضوح في التصاميم التي تجمع بين البساطة والانضباط من جهة، والجرأة في معالجة المواد من جهة أخرى.
أكثر ما يثير الاهتمام في هذه المجموعة هو الحوار الذكي بين الخامات. الجلد الأسود المرصع بالمسامير يلتقي برقّة الجورجيت، والفراء يتحول إلى عنصر بنائي داخل المعاطف، فيما تمنح التطريزات الفضية والترتر الفساتين ذلك البريق السينمائي الذي يذكّر بأفلام السبعينيات الإيطالية. حتى حقيبة الباغيت الشهيرة ظهرت بحلّة جديدة تستعيد إرث فندي الحرفي بطريقة معاصرة وغير متوقعة.
غموض وخيال
أما الفيلم القصير المرافق للحملة، فهو عمل بصري غني بالإشارات الثقافية والفنية. استلهمت كيوري أجواءه من فيلم Histoire d’Eau الذي صُوّر عام 1977 بإشراف كارل لاغرفيلد، لكنها أعادت تفسيره بروح أكثر غموضاً وتأملاً. البطلة "سوزي" لا تسير في روما الواقعية، بل في مدينة متخيلة تشبه الحلم، مدينة تتداخل فيها العمارة العقلانية مع الضوء والرخام والظلال الثقيلة. كل مشهد يبدو وكأنه لوحة متحركة، وكل لقطة تحمل إحساساً مسرحياً متعمداً يجعل الملابس جزءاً من السرد وليس مجرد أزياء معروضة أمام الكاميرا.
ماريا غراتسيا كيوري تدرك جيداً أن الموضة اليوم تحتاج إلى ما هو أبعد من الجمال السريع والصور القابلة للاستهلاك على وسائل التواصل الاجتماعي. لذلك اختارت أن تمنح فندي بعداً فكرياً وشعورياً جديداً، يعيد للموضة قدرتها على الحلم وإثارة الأسئلة. وربما لهذا السبب تبدو مجموعة كروز 2027 أشبه ببيان فني عن المرأة المعاصرة: امرأة قوية، مستقلة، غامضة أحياناً، لكنها تعرف تماماً كيف تستخدم الأناقة للتعبير عن ذاتها.
عملت في مجال الصحافة والكتابة منذ سن الـ16، خرّيجة كلية الإعلام والتوثيق في بيروت، أقيم في دبي منذ 14 عاماً، حيث أعمل اليوم كمحررة ومديرة لموقع gheir.com، أشرف على المحتوى وأهتمّ بإدارة العلاقات مع العلامات الكبيرة في مجال الموضة والمجوهرات والجمال والفنون الجميلة على أنواعها. أقوم أيضاً بمقابلات حصرية فيما يتعلق بإصدارات دور الأزياء والمجوهرات، وتنفيذ جلسات تصوير وفيديوهات خاصة بالموقع.