بعض التجارب تبقى عالقة في الذاكرة، مثل تجربتي مع علامة أوديمار بيغيه التي كشفت لي، بمناسبة عيدها الـ150، عن عالم مليء بالابتكار والإبداع والحرفة اليدوية التي لا تفنى.
بدعوة من العلامة السويسرية، سافرت مؤخراً إلى بلدة لوبراسّو في صباح شتوي صافٍ، بعد ساعة ونصف تقريباً بالسيارة من جنيف. كان الطريق يعانق الجبال السويسرية البيضاء، ويقودك تدريجياً إلى وادٍ يبدو وكأنه خُلق لولادة الوقت ذاته: فالي دو جو Vallée de Joux. هناك، حيث بدأت قصة عائلتَي أوديمار وبيغيه قبل 150 عاماً، تكشف عن حكاية علامة أرست معايير صناعة الساعات الفاخرة، وحافظت على روحها الحرفية رغم كل ما تبدّل حولها من تقنيات وعصور.
منذ اللحظة الأولى لوصولي إلى متحف Musée Atelier Audemars Piguet، شعرتُ أنني لا أزور مكاناً بقدر ما أعود إلى نقطة البداية. المبنى نفسه، بخطوطه الزجاجية المتماوجة، يبدو وكأنه ينساب بسلاسة داخل المشهد الطبيعي، في انسجام تام مع الجبال والغابات التي كانت دائماً الشاهد الأول على نشأة هذه الصناعة. وهذا العام يحمل للدار معنى خاصاً: احتفال بمرور 150 عاماً على تأسيسها، إلى جانب استعادة ذكرى انطلاقتها كعلامة وضعت بصمتها في عالم الساعات الراقية.
في "بيت العجائب"
المعرض المؤقت الجديد الذي يحمل عنوان "بيت العجائب" كان محطتي الأولى. الدخول إليه يشبه العبور من زمن إلى آخر. تم تصميمه كرحلة غامرة عبر سبع مراحل، كل مرحلة تكشف وجهاً من وجوه الدار. فالمعرض لا يروي تاريخ أوديمار بيغيه عبر الساعات فقط، بل أيضاً عبر الذين صنعوا تلك الساعات: رجال ونساء، حرفيون ومصممون وصانعو حركات ميكانيكية معقدة، ممن دفعوا حدود الممكن في صناعة الساعات منذ عام 1875 وحتى اليوم.
أدهشني كثيراً الأسلوب الذي طُرحت به الحكاية. فالدار لم تلجأ إلى اللوحات التعريفية التقليدية فحسب، بل صممت غرفاً متتابعة أتاحت لنا عيش التجربة بكل حواسنا: أرشيفات تُعرض للمرة الأولى، صور شخصية لمبدعين من خلف الكواليس، ومسار يأخذك حتى إلى قلب غابة اصطناعية صغيرة داخل المتحف. هناك، شعرت أن الطبيعة ليست خلفية لصناعة الساعات في Vallée de Joux ، بل شريكة في تكوينها. فصمت الجبال، نقاء الهواء، والإيقاع البطيء للحياة هنا يفسّر الكثير من دقة تلك الآليات الصغيرة التي تنبض داخل ساعات أوديمار بيغيه.
كان لافتاً بالنسبة لي كيف حافظت الدار على طريقتها الأصيلة في العمل. فكرة الـ Établissage التي انطلقت منها، أي التعاون بين ورش متخصصة مختلفة لتجميع ساعة كاملة، لا تزال حاضرة بروحها حتى اليوم. ورغم التطور التقني الهائل، بقيت الحِرف اليدوية في قلب العملية الإبداعية. وفي محترف الدار الأول الذي تأسس عام 1907، والذي يلمّح إليه "بيت العجائب"، يشعر الزائر بأن كل قطعة معدنية تمر بين يدَي صانع ساعات تحمل شيئاً من شخصيته وتركيزه. هذا الإصرار على البقاء في الجبال، بعيداً عن صخب المدن الكبرى، ليس مجرد حنين للماضي، بل اختيار واعٍ لحماية مساحة التأمل التي يحتاج إليها الإبداع.
الساعات كلغة تصميم
وأنا أتنقّل بين الغرف، بدأت أفهم أكثر كيف نجحت الدار في الحفاظ على إرثها من دون أن تتوقف عن الابتكار. لم تقدّم أوديمار بيغيه الساعات بوصفها أدوات لقياس الوقت فحسب، بل بوصفها لغة تصميم، ورؤية خاصة للأناقة، وتجربة عاطفية تتسم بالدقة. هذا الإدراك ازداد وضوحاً حين انتقلت إلى صالة العرض الحصرية للدار. هناك، وجدت نفسي أمام تاريخ كامل معروض على شكل ابتكارات تتوالى عبر العقود: تعقيدات ميكانيكية جريئة، تصاميم كسرت القواعد، وإصدار رويال أوك الذي تحوّل من مغامرة جريئة إلى أيقونة مطلقة.
زيارة صالة العرض منحتني شعوراً خاصاً. المكان بحد ذاته هادئ، لكنه مشحون بطاقة السنين. هنا، تستطيعين متابعة تطور تصميم العلبة، الأساور المضلّعة، وتباين الأسطح المصقولة والمفرغة التي أصبحت جزءاً من هوية الدار. هنا تفهمين فعلاً كيف أن المحافظة على المحترف في جبال سويسرا لم يكن قراراً رومانسياً، بل مصدر قوة.
مبادرات تعليمية
جانب آخر من التجربة شدّني أيضاً: مبادرات المتحف التعليمية. أوديمار بيغيه لا تتعامل مع الإرث كشيء يُعرض فقط، بل كمسؤولية تُنقل. الورش الجديدة التي يطلقها المتحف للكبار والأطفال فتحت الباب أمام تجربة ملموسة مع المواد، من المعدن إلى الآلية الدقيقة. فكرة أن الأطفال في سن مبكرة يمكنهم تفكيك وتجميع أجزاء من كاليبر 4302 ليست مجرد نشاط ترفيهي، بل دعوة مبكرة للاقتراب من عالم الدقة والحرفية في صناعة الساعات. شعرت بأن هذه الورش لا تصنع ساعات فحسب، بل تصنع علاقة بين الجيل الجديد والوقت نفسه.
ومن اللحظات المؤثرة أيضاً، التعرف على أعمال مؤسسات أوديمار بيغيه، التي تُعرض للمرة الأولى بهذا الشكل الفني المستوحى من الفلك وصناعة الساعات. في قاعة المؤسسين، يتضح أن التزام الدار لا يقتصر على الصناعة، بل يمتد إلى البيئة والمجتمع والتعليم حول العالم. هذا الاتساع في الرؤية يضيف لمسة إنسانية لعلامة فاخرة عُرفت بالدقة التقنية، لكنه يكشف أيضاً عن وعي عميق بأن الجمال الحقيقي لا ينفصل عن أثره في العالم.
أدريان فيّار روخاس يحوّل إرث أوديمار بيغيه إلى فن حي
أثناء زيارتي لمتحف Musée Atelier Audemars Piguet، لم تقتصر الرحلة على اكتشاف إرث الدار وساعاتها الشهيرة، بل امتدت أيضاً إلى عالم الفن المعاصر من خلال التعاون مع الفنان أرجنتيني الجنسية، أدريان فيّار روخاس. أعمال روخاس المعروضة في هذا السياق، ومنها مشروعه الأخير "بلا عنوان" (من سلسلة لغة العدو) جاءت لتكمل تجربة الزائر بطريقة مدهشة، فهي تربط بين التاريخ البشري والفن، تماماً كما تربط أوديمار بيغيه بين إرثها القديم وابتكاراتها الحديثة في صناعة الساعات.
ما يميز هذه المنحوتات هو أسلوبها الهجين، الذي يدمج بين الطبيعة والفن، بين الأحفور والتحف، وبين الإنسان العاقل والنياندرتال، لتطرح أسئلة عن أصل الرموز والتعبير الإنساني. لقد شعرتُ بأن هذا العمل الفني ينسجم بشكل طبيعي مع فلسفة أوديمار بيغيه: كل قطعة، سواء كانت ساعة أو منحوتة، تنبض بالدقة، بالتفكير العميق، وبالرغبة في خلق معنى يتجاوز المادة نفسها. الجمجمة المصنوعة من البرونز، والتي تبرز منها شخصية مستوحاة من "فينوس أوف ليسبوج"، تأخذ المشاهد في رحلة زمنية متقاطعة مع مسيرة الدار منذ بداياتها في جبال سويسرا، حيث حافظ المؤسسون على إرثهم وحرفيتهم منذ أكثر من 130 عاماً.
الجميل في هذا التعاون أن تقنيات النحت الرقمية الدقيقة التي استخدمها روخاس تعكس بشكل غير مباشر روح الابتكار لدى أوديمار بيغيه، فالاهتمام بالتفاصيل، الإبداع في تصميم الحركة والعلبة، والقدرة على مزج التقليد مع الحداثة كلها قيم مشتركة بين العمل الفني وساعات الدار. زيارة المعرض لم تكن مجرد مشاهدة للساعات أو الأعمال الفنية، بل تجربة حية لفهم كيف يمكن للإبداع أن ينسج جسوراً بين التاريخ، الحرفة، والفن المعاصر.