بين علامة هيرميس والعطور الراقية علاقة مودّة وتاريخ طويل بدأ منذ سنوات طويلة. لقد عوّدتنا هيرميس على عطورها المستندة إلى مكوّنات فريدة وفي غاية الجودة. وتماماً كما حقائبها الجلدية التي تُعدّ الأرقى من نوعها في العالم، كذلك الأمر بالنسبة لعطورها. فهي من الدور التي لا تساوم أبداً عندما يتعلق الأمر بالجودة وبالمواد المستخدمة.
في سعيها لكي تمنح السيدة دائماً ما هو جديد ومبتكر، أطلقت هيرميس عطرها الجديد من مجموعة Jardin Collection. يحمل العطر اسم Un Jardin Sur La Lagune، وهو من ابتكار عطّارة الدار كريستين ناجل، ويتميّز بقارورته التي تحمل توقيع الفنان البوسني تاشهير سفيت زيك وتعكس نبض الحياة في مدينة البندقية.
ربما تتساءلين لماذا البندقية. في الواقع، تركيبة العطر كلها مستوحاة من البندقية، وتحديداً من حديقة سرّية فيها، اكتشفت جمالها الأخّاذ بنفسي، بعدما دعتني هيرميس للانضمام إليها في تلك المدينة الإيطالية الساحرة، والاطلاع عن كثب على قصّة العطر وعلى تركيبته الاستثنائية المشتقة من النباتات التي تنمو في هذه الحديقة السرية.
كانت زيارة خاطفة ولكنها كانت في غاية التشويق والمتعة. لقد منحتني فرصة اختبار مغامرة حقيقية من خلال السير في أرجاء هذه الحديقة التي لا تفتح أبوابها عادةً أمام الزوّار إلّا في ما ندر. كانت عبارة عن حديقة واسعة كل شيء فيها يوحي بأن الطبيعة أخذت مجراها من دون تدخّل الإنسان، فنَمَت فيها الأشجار المورفة الظلال والأعشاب البرّية وغطّت جدرانها الأوراق والأغصان الممتدّدة، فكانت الزيارة أشبه برحلة إلى عالم أليس في بلاد العجائب.
لقد تمكنت كريستين ناجل من أن تؤلف روائح ناعمة زكيّة تحمل الحنين الذي لا يشوبه حزن والانبعاث والشعور بالخلود. وينبعث عبير الأشجار الصافي والهادئ لهذه الحديقة على ضفاف البحيرة حيث تنمو نباتات الساليكورنيا الحالمة والمتمايلة مع نسائم البحر وشجيرات البتسبورم والزنبــق الأبيــض وأزهار الماغنوليا. وتبدو همســات عطرها السماوي تداعب فجر البندقية الصامت… وهناك كان ميلاد عطر يبعث على السعادة يطوي سرّاً يختزل جمال حديقة حالمة، حديقة على البحيرة.
لتتعرّفي أكثر إلى تفاصيل هذا العطر، لا تفوّتي مقابلتي التالية مع كريستين:
من الرائع أن تختاري مصدر وحي يستند إلى مدينة البندقية. كيف بدأ الأمر بالتحديد؟
أول أمر طُلب مني، هو ابتكارعطر يوحي بأنه عبارة عن حديقة ورود. وقد رغبتُ في البحث عن حديقة في إيطاليا لأن نصفي ينحدر من هذا البلد، فشعرتُ برغبة كبيرة في أخذ الوحي من حديقة إيطالية. بدأت رحلة البحث التي قادتني إلى التعرّف إلى قصّة السيد إيدن الذي قاده شغفه إلى إنشاء هذه الحديقة الرائعة في البندقية. فقد كان لورداً إنكليزياً وكان عاشقاً للبندقية وأراد أن ينشئ فيها حديقة أحلامه، فبحث عن أرض كبيرة، وعثر على بقعة جميلة في البندقية لكنها كانت مغطاة بنوع من النباتات التي تنمو في التربة المالحة، ولهذا واجه صعوبات كبيرة لأنه ليس من السهل على النباتات أن تنمو في الأرض المالحة. ولكنه أصرّ على تحقيق حلمه وعمل بجهد كبير لكي يحصل على حديقة جميلة، وكان له ما أراد. وعند وفاته، قرّرت الأميرة إسبازيا من اليونان شراء هذه الحديقة مع ابنتها ألكسندرا، حيث عاشتا فيها عدة سنوات، وعند وفاتهما قرّر أحد الرسّامين النمساويين شراء الحديقة، وهو فنان موهوب جداً لم يكن يحب الخطوط المستقيمة بل فقط الخطوط الملتوية، وكان يهتم جداً بالناحية البيئية، ولهذا قرر السماح للطبيعة بأن تأخذ مجراها الطبيعي في الحديقة، وسمح للنباتات العشوائية بأن تنمو فيها، فتحولت الحديقة بالتالي إلى ما يشبه الغابة الحقيقية. ولأن هذه الحديقة حظيت باهتمام الكثير من مؤثري السوشيال ميديا الذين كانوا ينشرون صورها ويتساءلون عن القصّة وراءها ومن يعتني بها، شعرتُ بنوع من الفضول وقرّرتُ أن آتي لاستكشافها بنفسي، لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة، فقد كانت الحديقة سرّية نوعاً ما، ولم يكن بالإمكان فعلياً الوصول إليها من دون أخذ الأذن من الجمعية التي تديرها الآن. وبعد جهد كبير، حظيت بهذا الإذن. ومن اللحظة الأولى التي فتحت فيها بوابة الحديقة، شعرتُ بإحساس عميق، وقد شاهدتُ الكثير من النباتات الخضراء واسترجعتُ في ذاكرتي الصور التي شاهدتها عن الحديقة، وكان فيها أشجار العنب وورود الماغنوليا وكانت تفوح منها رائحة أزهار شجر البرتقال ورائحة الياسمين المذهلة.. لقد واظبتُ على زيارة الحديقة لأشهر عدة، كان الأمر رائعاً، ومن هذه النفحات، بدأت أبني العطر الجديد شيئاً فشيئاً بوحي من شذى هذه النباتات. ولأن العطر مستوحى من البندقية، أضفتُ إليه تلك النفحة المالحة بعض الشيء التي تشعرين بوجودها دائماً في البندقية، كما أضفتُ إليه ما يعكس قوة الضوء الذي يخيّم دائماً على البندقية، وهذا الضوء جسّدته من خلال لون عبوة العطر الذي يعكس أيضاً جدران الحديقة بلون الصدأ المحمرّ.
لقد استغرقت حوالى عام ونصف العام لابتكار هذا العطر، لقد أردتُ أولاً أن أشهد على تغيّر الحياة في الحديقة ما بين فصول السنة المختلفة، ففي كل فصل تنمو نباتات مختلفة، وعندما شعرتُ بأنني رأيت ما يكفي لإلهامي، قررتُ ابتكار العطر.
قد يبدو تنظيم رحلة إلى الحديقة في فصل الشتاء أمراً غريباً بعض الشيء، لكنني أردتُ للجميع أن يعيشوا نفس التجربة والاختبار اللذين عشتهما عندما زرتُ الحديقة للمرة الأولى، كما أردتُ أن أعرف إن كان الجميع سيشعرون بالانبهار لرؤية هذه الحديقة البسيطة جداً والمليئة في الوقت نفسه بالكثير من الأسرار.
عندما نشتمّ العطر، نشعر بالكثير من الغموض، ونشعر بوجود توازن ما بين رحيق الورود والنفحات الحلوة والنوتات المنعشة فضلاً عن النفحات الخشبية، وعلى الرغم من أنه يميل إلى الحلاوة بعض الشيء، يبدو عطراً قوياً وجميلاً برأيي. كيف توصّلتِ إلى تحقيق هذا التوازن الذي لا نجده دائماً في بقيّة العطور؟
أعتقد أن تحقيق التوازن كان سهلاً جداً، لأن العطر يعكس حلماً، وبرأيي إن هذه الحديقة مرهفة جداً وهي بحد ذاتها تتمتع بالتوازن، ما بين قصّتها الحالمة ونباتاتها العشوائية، وعندما تزورينها تشتمّين على الفور رائحة الأخشاب المتأتية من الجذور. من خلال التوازن بين الروائح المختلفة، أردتُ ابتكار إحساس عميق لدى الناس عندما يضعون هذا العطر.
هل تعتقدين أن العطر قد يحقق نجاحاً كبيراً عندما يستند إلى قصة قوية؟
لا أحد يمتلك الوصفة السحرية لتحقيق النجاح. أنا أركّز أكثر على الإحساس الذي يولّده العطر، ودوري الآن هو أن أنقل للآخرين الصورة الحقيقية لتجربتي مع بناء هذا العطر، والشعور الذي انتابني عنما زرتُ الحديقة والأثر العميق الذي تركته في داخلي.
بالحديث عن المكوّنات، أنت تأتين من خلفية علمية كيميائية، فكيف كانت رحلتك حتى الآن مع ابتكار العطور وكيف أصبحتِ تتقنين اختيار المكونات إلى هذه الدرجة؟
أصف نفس كإسفنجة، فأنا أنجذب إلى كل أنواع الفنون، بما فيها فن تركيب العطور. وأنا فخورة بخلفيتي العلمية، لكنني لفترة طويلة لم أكن أمتلك المعرفة الكافية التي تخوّلني الحديث طويلاً عن العطور. الأمر تغيّر الآن، لقد عملتُ لسنوات طويلة في تركيب العطور واليوم أصبحت لديّ التقنية التي تساعدني على أن أكون واثقة من عملي. كذلك تستند العطور إلى مصادر وحي قوية، ولا شيء يأتي من الفراغ. أشعر بأنني محظوظة جداً لما وصلتُ إليه من معرفة في هذا المجال، واليوم لم أعد أخاف من التجربة، فمع التقنيّات التي اكتسبتها، ومع اهتمامي الكبير بالفنون حول العالم، أصبحتُ أمتلك المزيد من الثقة والخلفية لإنشاء عطور جديدة. أنا أبحث دائماً عن مصادر الوحي، ولهذا على سبيل المثال عندما طلبت مني دار هيرميس ابتكار عطر للسيدة الشرقية، كان عليّ أن أذهب مرات عدة إلى الشرق وأن أتعرّف عن قرب إلى السيدات هناك، وإلى أسلوب حياتهن وما الذي يجذبهن أو يبحثن عنه في العطور. والحقيقة أن النساء في المنطقة العربية مثيرات للاهتمام، فهن يتمتعنَ بمعرفة عميقة بالعطور.
هل تعتقدين أن هذا العطر الجديد سيلقى الكثير من النجاح بين السيدات العربيات؟
أعرف أن المرأة العربية تعشق العطور القوية، ولكنني أعتقد أيضاً أنها امرأة تعشق الحلم، و برأيي إن هذا العطر سيترك أثراً جميلاً لديها، ولا أستبعد أن تمزج العطر مع عطور أخرى، فأنا أرى في ذلك أجمل هدية لأن هذا المزيج عادةً ما يعكس شخصية السيدة، فليس هناك أجمل من وضع عطر تشعرين معه بأنك كاملة ومتآلفة معه.
كيف تحرصين على أن تبقى هويّة هيرميس حاضرة في كل عطر جديد؟
أنا أعرف أنه ينبغي عليّ أن أحافظ على قيم الدار دائماً، وهذه القيم تتجلى بنوع من البساطة، الأناقة، والمواد.. المادة هي العنصر الرئيسي في كل شيء تقدّمه هيرميس، هي العنصر الرئيسي في الحقائب والملابس والمجوهرات، فضلاً عن الانتباه إلى أدقّ التفاصيل.. كل هذه العناصر تجدينها متوفرة في العطر الجديد.